ابن تيمية : سئل عن مسائل متفرقة في الصحابة رضي الله عنهم


ص -489-   سُئلَ عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد، ومنهم من يقول‏:‏ إن الدين فسد من قبل هذه، وهو من حين أخذت الخلافة من علي بن أبي طالب، فإن الذين تولوا مكانه لم يكونوا أهلا للولاية، فلم تصح توليتهم، ولم يصح للمسلمين بعد ذلك عقد من عقودهم، لا عقد نكاح ولا غيره، وأن جميع من تزوج بعد تلك الواقعة فنكاحه فاسد، وكذلك العقود جميعها فاسدة، والولايات وغيرها‏.‏
ويزعم قائل هذا‏:‏ أن اللّه صليب، وأن كل حرف من الجلالة على رأس خط من خطوط الصليب، ويقرر للناس أن اليهود والنصارى على حق، وكذلك المجوس وغيرهم‏!‏‏!‏
فأَجَابَ  رحمه اللّه تعالى‏:‏
أما هذا الجاهل فهو شبيه في جهله بالرافضة، الذين يكذبون، وخرافاتهم التي لا تروج إلا على جاهل لا يعرف أصول الإسلام، كالذين ذكروا في هذا السؤال‏.‏
وقيل‏:‏ إنهم يقولون‏:‏ إن الدين فسد من حين أخذت الخلافة من علي، وذلك

ابن تيمية : افترق الناس في يزيد بن معاوية ثلاث فرق


ص -481-   قال شيخ الإسْلام  رَحِمَه اللّه‏:‏
فَصْل
افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق‏:‏ طرفان ووسط‏.‏
فأحد الطرفين قالوا‏:‏ إنه كان كافرًا منافقًا، وأنه سعى في قتل سبط رسول اللّه، تَشَفِّيًا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وانتقامًا منه، وأخذًا بثأر جده عتبة، وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا‏:‏ تلك أحقاد بدرية، وآثار جاهلية، وأنشدوا عنه‏:‏
 لما بدت تلك الحمول وأشرفت    تلك الرؤوس على ربي جيرون
 نعق الغراب، فقلت نح أولا تنح    فلقد قضيت من النبي ديوني
وقالوا‏:‏ إنه تمثل بشعر ابن الزَّبَعْرى الذي أنشده يوم أحد‏:‏
 ليت أشياخي ببدر شهدوا     جزع الخزرج من وقع الأسل

ابن تيمية : إسلام معاوية متى كان وهل كان إيمانه كإيمان غيره وما قيل فيه


ص -453-   سُئلَ الشيخ  رَحمَهُ اللَّه  عن إسلام معاوية بن أبي سفيان، متى كان‏؟‏ وهل كان إيمانه كإيمان غيره أم لا ‏؟‏ وما قيل فيه غير ذلك‏؟‏
فَأَجَاب‏
:‏
إيمان معاوية بن أبي سفيان  رضي اللّه عنه  ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك، كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة، مثل أخيه يزيد بن أبي سفيان، ومثل سُهَيْل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعِكْرِمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وأبي أسد بن أبي العاص بن أمية، وأمثال هؤلاء‏.‏
فإن هؤلاء يسمون‏:‏ الطلقاء، فإنهم آمنوا عام فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة قهرًا، وأطلقهم ومنَّ عليهم، وأعطاهم وتألفهم، وقد روى أن معاوية بن أبي سفيان أسلم قبل ذلك وهاجر، كما أسلم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحَجَبِيّ  قبل فتح مكة  وهاجروا إلى المدينة، فإن كان هذا صحيحًا فهذا من المهاجرين‏.‏

ابن تيمية : تفضيل أبي بكر ثم عمر على علي متفق عليه بين أئمة المسلمين


ص -414-   سُئلَ شَيخُ الإسْلام  رحمهُ اللَّهُ تَعَالَى  عن رجل متمسك بالسنة ويحصل له ريبة في تفضيل الثلاثة على عليّ، لقوله  عليه السلام  له‏:‏ ‏(‏أنت مني وأنا منك‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏أنت مني بمنزلة هارون من موسى‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏لأعطين الراية رجلا يحب اللّه ورسوله‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ إلخ ‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏من كنت مولاه فعليّ مولاه‏)‏، ‏(‏اللهم وال من والاه وعاد من عاداه‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ إلخ‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏أذكِّركُم اللّه في أهل بيتي‏)‏، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 61‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ‏}‏ الآية‏[‏الإنسان‏:‏ 1‏]‏، وقوله‏:‏‏{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏}‏ الآية ‏[‏الحج‏:‏ 19‏]‏‏.‏
فَأجَابَ‏:‏
يجب أن يعلم أولًا‏:‏ أن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره‏.‏
وإذا كان كذلك، ففضائل الصديق  رضي اللّه عنه  التي تميز بها لم يشركه

ابن تيمية : فضل الصحابة رضي الله عنهم


ص -393-    سُئلَ شَيخُ الإسْلام  رحمَه اللَّه  عن‏ [‏خديجة‏] و[‏عائشة‏]‏ أمي المؤمنين، أيتهما أفضل ‏؟‏
فأجَاب‏:‏
بأن سبق خديجة، وتأثيرها في أول الإسلام، ونصرها، وقيامها في الدين، لم تشركها فيه عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين‏.‏
وتأثير عائشة في آخر الإسلام، وحمل الدين، وتبليغه إلى الأمة، وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة، ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها‏.‏

ابن تيمية : فصل في التفضيل بين الملائكة والناس


ص -350-   قَالَ شَيخُ الإسْلام‏:‏
فَصل

في المسألة المشهورة بين الناس، في ‏[‏التفضيل بين الملائكة والناس‏] قال‏:‏ الكلام إما أن يكون في التفضيل بين الجنس‏:‏ الملك، والبشر، أو بين صالحي الملك والبشر‏.‏
أما الأول، وهو أن يقال‏:‏ أيما أفضل‏:‏ الملائكة، والبشر‏؟‏ فهذه كلمة تحتمل أربعة أنواع‏:‏
النَّوعُ الأَول‏:‏
أن يقال‏:‏ هل كل واحد من آحاد الناس أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة‏؟‏ فهذا لا يقوله عاقل، فإن في الناس‏:‏ الكفار، والفجار، والجاهلين، والمستكبرين، والمؤمنين، وفيهم من هو مثل البهائم والأنعام السائمة، بل الأنعام أحسن حالًا من هؤلاء، كما نطق بذلك القرآن في مواضع، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 22‏]‏، وقال

ابن تيمية : هل الجنة التي سكنها آدم هي جنة الخلد


ص -345-   سُئلَ الشَّيْخُ  رَحِمَهُ اللَّهُ  عن آدم لما خلقه اللّه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته‏:‏ هل سجد ملائكة السماء والأرض، أم ملائكة الأرض خاصة‏؟‏ وهل كان جبرائيل وميكائيل مع من سجد ‏؟‏ وهل كانت الجنة التي سكنها جنة الخلد الموجودة ‏؟‏ أم جنة في الأرض خلقها اللّه له ‏؟‏ ولما أهبط هل أهبط من السماء إلى الأرض، أم من أرض إلى أرض مثل بني إسرائيل‏؟‏
فأَجَاب‏:‏
الحمد للّه، بل أسجد له جميع الملائكة كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى‏:‏
‏{فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 30‏]‏، فهذه ثلاث صيغ مقررة للعموم وللاستغراق، فإن قوله‏:‏ ‏{الْمَلآئِكَةُ‏}‏ يقتضي جميع الملائكة، فإن اسم الجمع المعرف بالألف واللام يقتضى العموم كقوله‏:‏ ‏(‏رب الملائكة والروح‏)‏ فهو رب جميع الملائكة‏.‏
الثاني‏:‏ ‏
{كُلُّهُمْ‏}‏، وهذا من أبلغ العموم‏.‏ الثالث‏:‏ قوله‏:‏ ‏{أَجْمَعُونَ‏}‏ وهذا توكيد للعموم‏.‏
فمن قال‏:‏ إنه لم يسجد له جميع الملائكة، بل ملائكة الأرض، فقد رد القرآن

ابن تيمية : هل الخضر نبيا أو وليا


ص -337-   وَسُئلَ  رَحمَهُ اللَّهُ  عن ‏‏الخضر‏‏ وإلياس، هل هما معمران‏؟‏ بينوا لنا  رحمكم اللّه تعالى‏.‏
فأجاب‏:‏
إنهما ليسا في الأحياء، ولا معمران، وقد سأل إبراهيم الحربي أحمد بن حنبل عن تعمير الخضر وإلياس، وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما، فقال الإمام أحمد‏:‏ من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا شيطان‏.‏
وسئل البخاري عن الخضر وإلياس‏:‏ هل هما في الأحياء‏؟‏ فقال‏:‏ كيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏
(‏لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد‏؟‏‏)‏‏.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي‏:‏ قوله تعالى‏:‏
‏{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 34‏]‏ وليس هما في الأحياء‏.‏ واللّه أعلم‏.‏

ابن تيمية : سئل عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق


ص -331-   سُئِلَ الشَّيْخُ  رَحمَهُ اللَّهُ  عن الذبيح من ولد خليل اللّه إبراهيم  عليه السلام  هل هو إسماعيل، أو إسحاق‏؟‏
فَأَجَاب‏:‏
الحمد للّه رب العالمين، هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء، وكل منهما مذكور عن طائفة من السلف، وذكر أبو يعلى في ذلك روايتين عن أحمد، ونصر أنه إسحاق، إتباعًا لأبي بكر عبد العزيز، وأبو بكر اتبع محمد بن جرير‏.‏ ولهذا يذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن أصحاب أحمد ينصرون أنه إسحاق، وإنما ينصره هذان، ومن اتبعهما، ويحكى ذلك عن مالك نفسه لكن خالفه طائفة من أصحابه‏.‏
وذكر الشريف أبو علي بن أبي يوسف‏:‏ أن الصحيح في مذهب أحمد أنه إسماعيل، وهذا هو الذي رواه عبد اللّه بن أحمد عن أبيه، قال‏:‏ مذهب أبي أنه إسماعيل، وفي الجملة فالنزاع فيها مشهور، لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل، وهذا الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة، وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب‏.‏

ابن تيمية : أسئلة متفرقة في الاعتقاد


ص -300-   قَالَ شَيْخُ الإسلاَم  قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ‏:‏
سأل سائل‏:‏ بماذا يخاطب الناس يوم البعث‏؟‏ وهل يخاطبهم اللّه  تعالى  بلسان العرب‏؟‏ وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية‏,‏ وأن لسان أهل الجنة العربية‏؟‏
فأجبته بعد ‏[‏الحمد للّه رب العالمين‏]‏‏.‏
لا يعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذ‏,‏ ولا بأي لغة يسمعون خطاب الرب جل وعلا؛ لأن اللّه  تعالى  لم يخبرنا بشىء من ذلك‏,‏ ولا رسوله  عليه الصلاة والسلام  ولم يصح أن الفارسية لغة الجهَنَّمِيِّين ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي‏,‏ ولا نعلم نزاعًا في ذلك بين الصحابة  رضي اللّه عنهم  بل كلهم يكفون عن ذلك؛ لأن الكلام في مثل هذا من فضول القول‏,‏ ولا قال اللّه تعالى لأصحاب الثرى‏,‏ ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين‏.‏
فقال ناس‏:‏ يتخاطبون بالعربية‏.‏
وقال آخرون‏:‏ إلا أهل النار‏,‏ فإنهم يجيبون بالفارسية‏,‏ وهي لغتهم في النار‏.‏

ابن تيمية : عذاب القبر هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن


ص -282-   سُئِلَ شَيْخ الإسْلام  قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ  وهو بمصر عن ‏[‏عذاب القبر‏]‏‏:‏ هل هو على النَّفْس، والبَدن أو على النفس دون البدن‏؟‏ والميت يعذب في قبره حياً أم ميتاً‏؟‏ وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تَعُدْ، فهل يتشاركان في العذاب والنعيم‏؟‏ أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر‏؟‏
فأَجَابَ  رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، وجعل جنة الفردوس منقلبه ومثواه آمين‏:‏
الحمد للّه رب العالمين‏.‏ بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعتين، كما يكون للروح منفردة عن البدن‏.‏
وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح‏؟‏
هذا فيه قولان مشهوران

ابن تيمية : الصغير والطفل إذا ماتا هل يمتحنان في القبر

ص -277-   وَسُئلَ عن الصغير، وعن الطفل إذا مات‏:‏ هل يمتحن ‏؟‏ إلخ
‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ الوقوف فيهم وأن يقال‏:‏ اللّه أعلم بما كانوا عاملين، ولبسطه موضع آخر‏.‏
وإذا مات الطفل فهل يمتحن في قبره ويسأله منكر ونكير‏؟‏ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه لا يمتحن، وأن المحنة إنما تكون على من كلف في الدنيا، قاله طائفة‏:‏ منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل‏.‏  والثاني‏:‏ أنهم يمتحنون، ذكره أبوحكيم الهمداني، وأبو الحسن ابن عبدوس، ونقله عن أصحاب الشافعي‏.‏ وعلى هذا التفصيل تلقين الصغير والمجنون‏:‏ من قال إنه يمتحن في القبر، لقنه‏.‏ ومن قال‏:‏ لا يمتحن، لم يلقنه‏.‏ وقد روى مالك وغيره عن أبي هريرة  رضي اللّه عنه  أنه صلى الله عليه وسلم صلى على طفل، فقال‏
:‏ ‏(‏اللّهم قِهِ عذاب القبر وفتنة القبر‏)‏، وهذا القول موافق لقول من قال‏:‏ إنهم يمتحنون في الآخرة، وإنهم مكلفون يوم القيامة، كما هو قول أكثر أهل العلم

ابن تيمية : هل يحتاج العبد موتا ثانيا بعد أن تدخل الروح في جسده

ص -274-    سُئِلَ شَيْخُ الإسْلاَم ـ رَحمهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ عن سؤال منكر ونكير الميت إذا مات؛ تدخل الروح في جسده ويجلس ويجاوب منكراً ونكيراً، فيحتاح موتًا ثانياً‏؟‏ فَأَجَــابَ‏:‏
عود الروح إلى بدن الميت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه، كما أن النشأة الأخرى ليست مثل هذه النشأة، وإن كانت أكمل منها، بل كل موطن في هذه الدار وفي البرزخ والقيامة له حكم يخصه؛ ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن الميت يُوَسَّع له في قبره ويُسأل ونحو ذلك، وإن كان التراب قد لا يتغير فالأرواح تعاد إلى بدن الميت وتفارقه‏.‏
وهل يسمى ذلك موتاً‏؟‏ فيه قولان‏:‏
قيل‏:‏ يسمى ذلك موتاً، وتأولوا على ذلك قوله تعالى‏:‏
‏{‏رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 11‏]‏‏:‏ قيل إن الحياة الأولى في هذه الدار، والحياة الثانية في القبر‏.‏

ابن تيمية : مذهب سائر المسلمين إثبات القيامة الكبرى والثواب والعقاب هناك وفي البرزخ

ص -262-   قَالَ شِيْخُ الإِسْلاَمِ تَقِي الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بن تَيْميَّة  رَحِمَهُ اللَّهُ‏:‏
فصل
مذهب سائر المسلمين  بل وسائر أهل الملل  إثبات القيامة الكبرى، وقيام الناس من قبورهم، والثواب والعقاب هناك، وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ  ما بين الموت إلى يوم القيامة  هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع‏.‏
لكن من أهل الكلام من يقول‏:‏ هذا إنما يكون على البدن فقط، كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية‏.‏
ومنهم من يقول‏:‏ بل هو على النفس فقط، بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم، كما يقول ذلك ابن ميسرة، وابن حزم‏.‏

ابن تيمية : هل جميع الخلق يموتون حتى الملائكة

ص -259-   وسُئِلَ‏:‏
هَل جَمِيعُ الْخَلْقِ  حَتَّى المَلاَئِكَةِ  يَمُوتُونَ ‏؟‏
فأجاب‏:‏
الذي عليه أكثر الناس‏:‏ أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة، وحتى عزرائيل ملك الموت، وروى في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة اللّه عليه، وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة، أتباع أرسطو وأمثالهم، ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام، أو اليهود، والنصارى، كأصحاب ‏[‏رسائل إخوان الصفا‏]‏ وأمثالهم ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هي عندهم آلهة وأرباب لهذا العالم‏.‏
والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون، كما قال سبحانه‏:‏
‏{لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 172‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26 28‏]‏،

ابن تيمية : فتنة القبر وإذا ارتد العبد هل يجازى بأعماله الصالحة قبل الردة

ص -255-   سُئِلَ عَنْ عَرْضِ الأدْيَانَ عَنْدَ الْمَوْتِ‏:‏ هل لذلك أصل في الكتاب والسنة أم لا ‏؟‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنكم لتفتنون في قبوركم‏)‏ ما المراد بالفتنة ‏؟‏ وإذا ارتد العبد  والعياذ باللّه  هل يجازى بأعماله الصالحة قبل الردة أم لا ‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.‏
فأجَابَ‏:‏ الحمد للّه رب العالمين، أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرًا عامًا لكل أحد، ولا هو أيضًا  منتفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام‏.‏ وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا‏.‏
منها‏:‏ ما في الحديث الصحيح‏:‏ أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ في صلاتنا من أربع‏:‏ من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال‏.‏ ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة‏.‏

ابن تيمية : سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة"

ص -245-   سُئِلَ عَن قَوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على الفطرة‏)‏ ما معناه‏؟‏ أراد فطرة الخلق أم فطرة الإسلام‏؟‏ وفي قوله‏: ‏‏(‏الشقي من شقي في بطن أمه‏)‏ الحديث‏.‏ هل ذلك خاص أو عام‏.‏ وفي البهائم والوحوش هل يحييها اللّه يوم القيامة أم لا‏؟‏
فأجاب‏:‏ الحمد للّه؛ أما قوله صلى الله عليه وسلم‏:
‏(‏كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه‏)‏‏:‏ فالصواب أنها فطرة اللّه التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال‏:‏ {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏172‏]‏ وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة‏.‏
فإن حقيقة الإسلام أن يستسلم للّه، لا لغيره، وهو معنى لا إله إلا اللّه، وقد ضرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فقال‏:‏
‏(‏كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء‏؟‏‏)‏‏:‏ بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حادث طارئ‏.‏
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن اللّه‏:
‏‏(‏إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت

ابن تيمية : الجمع بين حديث ابن مسعود وحديث حذيفة في كتابة القدر على الجنين

ص -238-   سُئِلَ  رَحِمِهَ اللَّهُ  عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن النطفة تكون أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًاعلقة، ثم أربعين مضغة، ثم يكون التصوير والتخطيط والتشكيل‏)‏ ثم ورد عن حذيفة بن أسيد‏:‏ ‏(‏أنه إذا مر للنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه  تعالى  إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها، وعظامها، ثم يقول‏:‏ يا رب، أذكر، أم أنثى ‏؟‏ شقي أم سعيد ‏؟‏ فما الرزق وما الأجل‏؟‏‏)‏ وذكر الحديث، فما الجمع بين الحديثين‏؟‏
فأجَاب‏:‏ الحمد للّه رب العالمين، أما الحديث الأول، فهو في الصحيحين عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ حدثنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم  وهو الصادق المصدوق‏:‏ ‏(‏إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات‏:‏ بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد‏.‏ فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة،حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع،

ابن تيمية : الجان المؤمنين هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أو بنفس التصديق فقط

ص -233-   سئل الشَّيْخُ  رَحمَهُ اللَّهُ  عن الجان المؤمنين‏:‏ هل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة، وغير ذلك من العبادات، أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير ‏؟‏
فأجَاب‏:‏ لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم‏.‏ وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين‏.‏
وكذلك لم يتنازعوا أن أهل الكفر والفسوق والعصيان منهم يستحقون لعذاب النار، كما يدخلها من الآدميين، لكن تنازعوا في أهل الإيمان منهم، فذهب الجمهور من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وأبى يوسف ومحمد‏:‏ إلى أنهم يدخلون الجنة‏.‏ وروى في حديث رواه الطبراني‏:‏أنهم يكونون في رَبَضِ الجنة [رَبَض الجنة‏:‏ أي ما حولها خارجا عنها]‏، يراهم الإنس من حيث لا يرونهم‏.‏

ابن تيمية : الروح هل هي قديمة أم مخلوقة

ص -216-   سُئِلَ شيخُ الإِسْلام أَبُو العَبَّاس ابن تَيْمِية  قدس اللَّه رُوحَهُ  عن ‏[‏الروح‏]، هل هي قديمة، أو مخلوقة‏؟‏ وهل يُبدَّع من يقول بقدمها أم لا‏؟‏ وما قول أهل السنة فيها، وما المراد بقوله عز وجل‏:‏ ‏{قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏85‏]‏‏.‏ هل المفوض إلى اللّه  تعالى  أمر ذاتها، أوصفاتها، أو مجموعهما‏؟‏ بينوا ذلك من الكتاب والسنة‏.‏
فأجاب  رضي اللَّه عَنْهُ‏:‏
الحمد للّه رب العالمين، روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم‏.‏
وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في كتاب ‏[‏اللقط] ‏لما تكلم على خلق الروح قال‏:‏ النَّسَم‏:‏ الأرواح‏.‏ قال‏:‏ وأجمع الناس على أن اللّه خالق الجثة،