ابن تيمية : سئل هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار


ص -597-   وسئل  رحمه الله ‏:‏ هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار أم لا‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله، الليل والنهار الذي هو حاصل بالشمس هو تبع للسموات والأرض، لم يخلق هذا الليل وهذا النهار قبل هذه السموات والأرض، بل خلق هذا الليل وهذا النهار تبعًا لهذه السموات والأرض، فإن الله إذا أطلع الشمس حصل النهار وإذا غابت حصل الليل، فالنهار بظهورها والليل بغروبها، فكيف يكون هذا الليل وهذا النهار قبل الشمس، والشمس والقمر مخلوقان مع السموات والأرض‏.‏
وقد قال تعالى ‏:
‏‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏33‏]‏ وقال تعالى‏:‏{‏لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏} ‏[‏يس‏:‏40‏]‏‏.‏ قال ابن عباس وغيره من السلف‏:‏ في فلكة مثل فلكة المغزل‏.‏
فقد أخبر تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر، في الفلك، والفلك هو السموات عند أكثر العلماء، بدليل أن الله ذكر في هاتين الآيتين أن الشمس والقمر في الفلك، وقال في موضع آخر‏:‏

ابن تيمية : سئل عن خلق السموات والأرض وتركيب النيرين والكواكب

ص -592-   وسئل شيخ الإسلام  رحمه الله تعالى‏:‏ عن خلق السموات والأرض، وتركيب النيرين والكواكب، هل هي مثبتة في الأفلاك والأفلاك تتحرك بها ‏؟‏ أم هي تتحرك والفلك ثابت‏؟‏ أم كلاهما متحرك‏؟‏ وهل الأفلاك هي السموات، أم غيرها‏؟‏ وهل تختص النجوم بالسماء الدنيا‏؟‏ وهل إذا كان الشمس والقمر في بعض السموات يضيء نورها جميع السموات‏؟‏ وهل ينتقلان من سماء إلى سماء‏؟‏ وهل الأرضون سبع أو بينهن خلق أو بعضهن فوق بعض‏؟‏ وهل أطراف السموات على جبل أم الأرض في السماء كالبيضة في قشرها، والبحر تحت ذلك، والريح تحته‏؟‏ وهل فوق السموات بحر تحت العرش‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله، هذه المسائل تحتاج إلى بسط كثير لا تحتمله هذه الورقة، والسائل عن هذه المسائل يحتاج إلى معرفة علوم متعددة، ليجاب بالأجوبة الشافية، فإن فيها نزاعًا وكلامًا طويلاً، لكن نذكر له بحسب الحال‏.‏
أما قوله‏:‏ الأفلاك هل هي السموات أو غيرها‏؟‏ ففي ذلك قولان معروفان للناس، لكن الذين قالوا‏:‏ إن هذا هو هذا احتجوا بقوله تعالى:

ابن تيمية : سئل عن رجلين تنازعا في كيفية السماء والأرض هل هما جسمان كرويان

ص -586-   سئل عن رجلين تنازعا في كيفية السماء والأرض هل هما جسمان كريان‏؟‏ فقال أحدهما ‏:‏ كريان، وأنكر الآخر هذه المقالة، وقال‏:‏ ليس لها أصل وردها، فما الصواب‏؟‏
فأجاب‏:‏
السموات مستديرة عند علماء المسلمين، وقد حكى إجماع المسلمين على ذلك غير واحد من العلماء أئمة الإسلام‏:‏ مثل أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي، أحد الأعيان الكبار، من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد، وله نحو أربعمائة مصنف‏.‏
وحكى الإجماع على ذلك الإمام أبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي، وروى العلماء ذلك بالأسانيد المعروفة عن الصحابة والتابعين، وذكروا ذلك من كتاب الله وسنة رسوله، وبسطوا القول في ذلك بالدلائل السمعية‏.‏
وإن كان قد أقيم على ذلك أيضًا دلائل حسابية‏.‏
ولا أعلم في علماء المسلمين المعروفين من أنكر ذلك؛ إلا فرقة يسيرة من أهل الجدل لما ناظروا المنجمين، فأفسدوا عليهم فاسد مذهبهم في الأحوال

ابن تيمية : الرسالة العرشية

ص -545-    سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام العالم الرباني والعابد النوراني ابن تيمية الحراني  أيده الله تعالى‏:‏
ما تقول في العرش هل هو كرى أم لا‏؟‏ وإذا كان كريًا والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله تعالى حين دعائه وعبادته، فيقصد العلو دون غيره، ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو، وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي‏؟‏ ومع هذا نجد في قلوبنا قصدًا يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، وقد فطرنا عليها‏.‏
وابسط لنا الجواب في ذلك بسطًا شافيًا، يزيل الشبهة ويحقق الحق  إن شاء الله  أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين‏.‏
فأجاب  رحمه الله تعالى‏:‏
الحمد لله رب العالمين، الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات‏:‏

ابن تيمية : معنى قوله صلى الله عليه وسلم: نور أنى أراه قوله رأيت نورا

ص -507-   قال الشيخ شمس الدين ابن القيم‏:‏
سمعت شيخ الإسلام أحمد بن تيمية يقول في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏"‏نور أنى أراه‏"‏ معناه‏:‏
كان ثم نور، وحال دون رؤيته نور فأنى أراه‏؟‏ قال‏:‏ ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح هل رأيت ربك‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏رأيت نورًا‏"‏‏.‏
وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال‏:‏ ‏"‏نورًا إني أراه‏"‏ على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة‏.‏ وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وكان قوله‏:‏ ‏"‏أنى أراه‏؟‏‏"‏ كالإنكار للرؤية، حاروا في الحديث، ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل‏.‏
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب ‏[‏الرد له‏]‏ إجماع الصحابة، على أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك، وشيخنا يقول‏:‏ ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل

ابن تيمية : رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم

ص -485-   قال شيخ الإسلام في ‏[‏رسالته إلى أهل البحرين‏]‏ واختلافهم في صلاة الجمعة‏:‏
والذي أوجب هذا‏:‏ أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم، حتي ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة، وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في رؤية الكفار ربهم، وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد، فالأمر في ذلك خفيف‏.‏
وإنما المهم الذي يجب على كل مسلم اعتقاده‏:‏ أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عَرْصة ‏[‏العرْصة‏:‏ البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء‏.‏ انظر‏:‏ المصباح المنير، مادة‏:‏ عرص‏]‏ القيامة وبعد ما يدخلون الجنة، على ما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عند العلماء بالحديث، فإنه أخبر صلى الله عليه وسلم‏:
‏‏"‏أنا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر والشمس عند الظهيرة، لا يضام في رؤيته‏"‏‏.‏ ورؤيته  سبحانه  هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ومعرفتهم به‏.‏

ابن تيمية : سئل عن لقاء الله هل هو رؤيته أو رؤية ثوابه

ص -461-   سئل  رحمه الله تعالى‏:‏   عن لقاء الله هل هو رؤيته أو رؤية ثوابه
ما هو لقاء الله سبحانه الذي وصف بظنه الخاشعين بقوله تعالى‏:‏‏{‏الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏46‏]‏، وأمر بعلمه المتقين في قوله تعالى‏:‏‏{‏وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏223‏]‏، وبشر بالإقرار به عند المصيبة الصابرين، وأشار إلى إتيان أجله للراجين بقوله تعالى‏:‏‏{‏مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ‏}‏‏[‏العنكبوت‏:‏5‏]‏، واشتهر ذكره في غير حديث من كلام سيد المرسلين، كقوله في دعائه‏:‏ ‏"‏لقاؤك حق‏"‏، وقوله‏:‏‏"‏من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه‏"‏ الحديث‏؟‏
وهل يصح قول بعض المفسرين من أنه متعلق بمحذوف تقديره‏:‏ جزاء ربهم أو نحوه، بكونه مما لا يصح أن يضاف إلى الله  تعالى  حقيقة، فيستحيل ظاهره ويكون المراد منه غير ظاهره، ويصار فيه إلى تأويل معين‏؟‏ أم هو مستغن عن ذلك لجوازه في نفسه‏؟‏ وكيف يتصور منا محبة من لا نعرفه، ولا نطلع عليه‏؟‏ أم كيف يتأتى شوقه وحنين القلوب إليه، وإيثاره على ما سواه، مما هو عندنا معروف ولقلوبنا مألوف‏؟‏ ولنا به منفعة عاجلة، ولذة حاصلة‏.‏

ابن تيمية : رؤية المؤمنين ربهم وهل ذلك عام للنساء ومتى يرينه

ص -401-   قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية  قدس الله روحه‏:‏
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏
حديث ‏:‏ رؤية المؤمنين ربهم في الجنة في مثل يوم الجمعة من أيام الدنيا، رواه أبو الحسن الدارقطني في كتابه في الرؤية  وما علمنا أحدًا جمع في هذا الباب أكثر من كتاب أبي بكر الآجري وأبي نعيم الحافظ الأصبهاني  رواه من حديث أنس مرفوعًا، ومن حديث ابن مسعود موقوفاً، ورواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعًا‏.‏
فأما حديث أنس، فرواه الدارقطني من خمس طرق أو ست طرق، في غالبها ‏:‏ أن الرؤية تكون بمقدار صلاة الجمعة في الدنيا‏.‏ وصرح في بعضها ‏:‏ بأن النساء يرينه في الأعياد‏.‏
وأما حديث ابن مسعود، ففي جميع طرقه  مرفوعها وموقوفها

ابن تيمية : سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: الحجر الأسود يمين الله في الأرض وقوله إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمين"

ص -397-   سئل الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية  رضي الله تعالى عنه‏:‏ عن قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الحجر الأسود يمين الله في الأرض‏"‏، وقوله‏:‏‏"‏إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏54، يونس‏:‏3، الرعد‏:‏2، الحديد‏:‏4‏]‏ وقوله‏:‏‏{‏يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏10‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏48‏]‏ ‏[‏في المطبوعة‏:‏ ‏"‏فاصبر‏"‏،والصواب ما أثبتناه‏]‏‏.‏
فأجاب  رحمه الله ورضى عنه‏:‏
أما الحديث الأول، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس قال‏:‏ الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبل يمينه‏.‏ ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال‏:‏ يمين الله في الأرض، فقيده بقوله‏:‏ في الأرض، ولم يطلق، فيقول‏:‏ يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق‏.‏
ثم قال‏:‏ فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه‏.‏ ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلاً، ولكن

ابن تيمية : قال المعترض في الأسماء الحسنى النور الهادي يجب تأويله

ص -374-   قال شيخ الإسلام  رحمه الله‏:‏ فَصْل قال المعترض في الأسماء الحسنى‏:‏ النور الهادي يجب تأويله قطعًا، إذ النور كيفية قائمة بالجسمية، وهو ضد الظلمة، وجل الحق  سبحانه  أن يكون له ضد، ولو كان نورًا لم تجز إضافته إلى نفسه في قوله‏:‏ ‏{‏مَثَلُ نُورِهِ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏35‏]‏، فيكون من إضافة الشىء إلى نفسه، وهو غير جائز‏.‏
وقوله‏:‏
‏{‏اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏،قال المفسرون‏:‏ يعني‏:‏ هادي أهل السموات والأرض، وهو ضعيف؛ لأن ذكر الهادي بعده يكون تكرارًا، وقيل‏:‏ منور السموات بالكواكب، وقيل‏:‏ بالأدلة والحجج الباهرة‏.‏ والنور جسم لطيف شفاف، فلا يجوز على الله‏.‏
والتأويل مروي عن ابن عباس وأنس وسالم، وهذا يبطل دعواه أن التأويل يبطل الظاهر، ولم ينقل عن السلف‏.‏
ولو كان نورًا حقيقة  كما يقوله المشبهة  لوجب  أيضًا  أن يكون الضياء ليلاً ونهارًا على الدوام‏.‏

ابن تيمية : الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات

ص -351-   وقال شيخ الإسلام  قدس الله روحه‏:‏ (لرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات)
السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان المدينة طيبة ‏[‏طيبة‏:‏ تعرف بالمدينة في الحقيقة والمجاز بالصفات‏]‏ من الأحياء والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته‏.‏
إلى الشيخ الإمام العارف الناسك، المقتدى الزاهد العابد‏:‏ شمس الدين  كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، وجعله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه اتباع نبيه باطنًا وظاهرًا، واللحاق به في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه  من أحمد بن تيمية‏:‏ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏
أما بعد‏:‏
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شىء قدير، ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه وخيرته من بريته النبي الأمي محمد وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏

ابن تيمية : سئل عن جواب شبهة نفي الصفات وهي أن صفات الباري ليست زائدة على ذاته

ص -339-   سئل شيخ الإسلام  قدس الله روحه‏:‏
ما يقول السادة العلماء  رضي الله عنهم أجمعين  عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات‏؟‏ ادعوا أن صفات الباري، ليست زائدة على ذاته، لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة، بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه أو لا، فإن يقم فقد تعلق وجوده بها، وصار مركبًا من أجزاء ، لا يصح وجوده إلا بمجموعها، والمركب معلول، وإن كان لا يقوم وجوده بها، ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية، والعَرَض معلول، وهما على الله محال، فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته، وهو المطلوب‏؟‏
فأجاب  رضي الله عنه‏:‏
الحمد لله‏:‏ الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله  سبحانه  له علم وقدرة، ورحمة ومشيئة، وعزة وغير ذلك؛ لقوله تعالى‏:
‏‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏166‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏58‏]‏، وقوله ‏{‏وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏8‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏7‏]‏‏.‏

ابن تيمية : قاعدة شريفة وهي أن جميع ما يحتج به المبطل إنما يدل على الحق لا يدل على قول المبطل بل على فساده

ص -288-   ‏ وقال رحمه الله تعالى‏:‏
فَصْل  فيه قاعدة شريفة
وهي‏:‏ ‏[‏أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق، لا تدل على قول المبطل‏]‏‏.‏
وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل‏.‏
يبقى الكلام في أعيان الأدلة، و بيان انتفاء دلالتها على الباطل، ودلالتها على الحق هو تفصيل هذا الإجمال‏.‏
والمقصود هنا شىء آخر، وهو‏:‏ أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه، وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل عليه، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه، وهذا عجيب ‏!‏ قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك‏!‏‏!‏
والمقصود هنا بيان أن‏:‏ الأدلة العقلية التي يعتمدون عليها في الأصول والعلوم الكلية والإلهية هي كذلك‏.‏ فأما الأدلة السمعية، فقد ذكرت من هذا

ابن تيمية : قاعدة شريفة وهي أن جميع ما يحتج به المبطل إنما يدل على الحق لا يدل على قول المبطل بل على فساده

ص -288-   ‏ وقال رحمه الله تعالى‏:‏
فَصْل  فيه قاعدة شريفة
وهي‏:‏ ‏[‏أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق، لا تدل على قول المبطل‏]‏‏.‏
وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل‏.‏
يبقى الكلام في أعيان الأدلة، و بيان انتفاء دلالتها على الباطل، ودلالتها على الحق هو تفصيل هذا الإجمال‏.‏
والمقصود هنا شىء آخر، وهو‏:‏ أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه، وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل عليه، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه، وهذا عجيب ‏!‏ قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك‏!‏‏!‏
والمقصود هنا بيان أن‏:‏ الأدلة العقلية التي يعتمدون عليها في الأصول والعلوم الكلية والإلهية هي كذلك‏.‏ فأما الأدلة السمعية، فقد ذكرت من هذا

ابن تيمية : فيما ذكره الرازي في الأربعين في مسألة الصفات الاختيارية

ص -273-   وقال الشيخ الإمام العالم العلامة حبر الأمة وبحر العلوم، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية  رحمه الله ورضى عنه وأدخله الجنة‏:‏
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏
فَصْل
فيما ذكره الرازي في ‏"‏الأربعين‏"‏ في مسألة الصفات الاختيارية، التي يسمونها حلول الحوادث، بعد أن قرر أن هذا المذهب قال به أكثر فرق العقلاء، وإن كانوا ينكرونه باللسان‏.‏
قال‏:‏ واعلم أن الصفات على ثلاثة أقسام‏:‏
حقيقية عارية عن الإضافات كالسواد والبياض‏.‏
وثانيها‏:‏ الصفات الحقيقية التي تلزمها الإضافات، كالعلم والقدرة‏.‏
وثالثها‏:‏ الإضافات المحضة، والنسب المحضة، مثل كون الشىء قبل غيره

ابن تيمية : في اتصاله بالصفات الفعلية مثل الخالق والرازق هل هو قديم أم لا

ص -268-    قال شيخ الإسلام  رحمه الله تعالى‏:‏
فصل
وصفه  تعالى  بالصفات الفعلية  مثل الخالق، والرازق، والباعث، والوارث، والمحيى، والمميت
  قديم عند أصحابنا، وعامة أهل السنة من المالكية، والشافعية، والصوفية‏.‏ ذكره محمد بن إسحاق الكلاباذي، حتى الحنفية والسالمية والكَرّامية‏.‏ والخلاف فيه مع المعتزلة، والأشعرية‏.‏
وكذلك قول ابن عقيل في ‏"‏الإرشاد‏"‏ وبسط القول في ذلك، وزعم أن أسماءه الفعلية  وإن كانت قديمة  فإنها مجاز قبل وجود الفعل، وذكر ذلك عن القاضي في ‏"‏المعتمد‏"‏ في مسائل الخلاف مع السالمية، والقاضي إنما ذكر للمسألة ثلاثة مآخذ‏:‏
أحدها‏:‏ أنه مثل قولهم‏:‏ خبز مشبع، وماء مروٍ، وسيف قاطع، وليس ذلك بمجاز؛ لأن المجاز ما يصح نفيه، كما يقال‏:‏ عن الجد ليس بأب؛ ولا

ابن تيمية : فصل في الصفات للاختيارية

ص -217-   وقال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية  قدس الله روحه ونور ضريحه‏:‏
فَصْل في الصفات الاختيارية
وهي الأمور التي يتصف بها الرب  عز وجل  فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته؛ مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه، وإحسانه، وعدله، ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز، والسنة‏.‏
فالجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم، يقولون‏:‏ لا يقوم بذاته شىء من هذه الصفات، ولا غيرها‏.‏
والكُلاَّبية ومن وافقهم من السالمية وغيرهم يقولون‏:‏‏[‏تقوم صفات بغير مشيئته وقدرته‏]‏، فأما ما يكون بمشيئته وقدرته، فلا يكون إلا مخلوقًا منفصلا عنه‏.‏

ابن تيمية : سئل عمن قال أن الإمام أحمد كان من أعظم النفاة للصفات

ص -213-   سُئل‏:‏ عمن زعم أن ‏[‏الإمام أحمد‏]‏ كان من أعظم النفاة للصفات:  صفات الله تعالى  وإنما الذين انتسبوا إليه من أتباعه في المذهب ظنوا أنه كان من أهل الإثبات المنافي للتعطيل، جهلاً منهم بما جرى له، فإنه اتفق له أمر عجيب‏.‏
وهو أن ناسا من ‏[‏الزنادقة‏]‏ قد علموا زهد أحمد وورعه وتقواه، وأن الناس يتبعونه فيما يذهب إليه، فجمعوا له كلامًا في الإثبات، وعزوه إلى تفاسير وكتب أحاديث، وأضافوا  أيضًا  إلى الصحابة والأئمة وغيرهم، حتى إليه هو  شيئًا كثيرًا من ذلك على لسانه  وجعلوا ذلك في صندوق مقفل، وطلبوا من الإمام أحمد أن يستودع ذلك الصندوق منهم، وأظهروا أنهم على سفر ونحو ذلك، وأنهم غرضهم الرجوع إليه ليأخذوا تلك الوديعة، وهم يعلمون أنه لا يتعرض لما في الصندوق، فلم يزل عنده ذلك إلى أن توفاه الله، فدخل أتباعه، والذين أخذوا عنه العلم، فوجدوا ذلك الصندوق وفتحوه، فوجودا فيه تلك ‏[‏الأحاديث الموضوعة‏]‏ و‏[‏التفاسير والنقول‏]‏ الدالة على الإثبات‏.‏ فقالوا‏:‏ لو لم يكن الإمام أحمد يعتقد ما في هذه الكتب، لما أودعها هذا الصندوق واحترز عليها، فقرؤوا تلك الكتب، وأشهروها في جملة ما أشهروا من تصانيفه وعلومه

ابن تيمية : قاعدة في الاسم والمسمى

ص -185-   وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية  رحمه الله‏:‏ (قاعدة في الاسم والمسمى)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏
فَصْل في الاسم والمسمى:
هل هو هو، أو غيره‏؟‏ أو لا يقال‏:‏ هو هو، ولا يقال‏:‏ هو غيره‏؟‏ أو هو له‏؟‏ أو يفصل في ذلك‏؟‏
فإن الناس قد تنازعوا في ذلك، والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره، والذي كان معروفًا عند أئمة السنة أحمد وغيره‏:‏ الإنكار على الجهمية الذين يقولون‏:‏ أسماء الله مخلوقة‏.‏

ابن تيمية : في القاعدة العظيمة في مسائل الصفات والأفعال من حيث قدمها ووجوبها وجوازها ومشتقاتها

ص -144-   وقال‏:‏ فَصْل في القاعدة العظيمة الجليلة في مسائل الصفات، والأفعال، من حيث قدمها ووجوبها، أو جوازها ومشتقاتها، أو وجوب النوع مطلقًا، وجواز الآحاد معينًا‏.‏
فنقول‏:‏ المضافات إلى الله  سبحانه  في الكتاب والسنة، سواء كانت إضافة اسم إلى اسم، أو نسبة فعل إلى اسم، أو خبر باسم عن اسم، لا تخلو من ثلاثة أقسام‏:‏
أحدها‏:‏ إضافة الصفة إلى الموصوف، كقوله تعالى‏:
‏‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏58‏]‏‏.‏
وفي حديث الاستخارة‏:‏‏"‏ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك‏"‏، وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏"‏اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق‏"‏، فهذا في الإضافة الاسمية‏.‏
وأما بصيغة الفعل، فكقوله‏:‏
‏{‏عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏187‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏‏.‏