ابن تيمية : سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" - ابن تيمية


ص -491-   سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن قوله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"‏لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر‏"‏ فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية‏؟‏ بينوا لنا ذلك‏؟‏
فأجاب‏:
الحمد لله‏.‏ قوله‏: ‏"‏لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر‏"‏‏: مروي بألفاظ أخر، كقوله‏: ‏"‏يقول الله‏: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار‏"‏ وفي لفظ‏: ‏"‏لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار‏"‏ وفي لفظ‏: ‏"‏يقول ابن آدم‏: يا خيبة الدهر، وأنا الدهر‏"‏‏.‏
فقوله في الحديث‏: ‏"‏بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار‏"‏ يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار، فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه‏.‏ كما دل عليه قوله تعالى‏:
‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأولى الْأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏النور‏: ‏43، 44‏]‏‏.‏ وإزجاء السحاب‏: ‏سوقه‏.‏ والودق‏: ‏المطر‏.‏

ابن تيمية : سئل عمن يقول ما ثم إلا الله هل هو موافق لما يقوله الاتحادية


-488-    سئل شيخ الإسلام وحجة الأنام أبو العباس بن تيمية رضي الله عنه عمن يقول‏: إن ما ثم إلا الله‏.‏ فقال شخص‏: كل من قال هذا الكلام فقد كفر‏.‏
فأجاب رضي الله عنه‏:
الحمد لله، قول القائل‏: ‏ما ثم إلا الله‏: لفظ مجمل، يحتمل معنى صحيحًا ومعنى باطلا، فإن أراد ما ثم خالق إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا يجيب المضطرين ويرزق العباد إلا الله فهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل وهو الذي يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه، ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه، فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب‏:
‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏: ‏5‏]‏، وقال تعالى‏: ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه‏}‏ ‏[‏هود‏: ‏123‏]‏، وقال‏: {‏قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عليه تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ‏} ‏[‏الرعد‏: ‏30‏]‏‏.‏ فهذه المعاني كلها صحيحة، وهي من صريح التوحيد، وبها جاء القرآن،

ابن تيمية : سئل ما تقول في الحلاج

ص -480-   سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه‏: ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج‏؟‏
وفيمن قال‏: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج‏: ماذا يجب عليه‏؟‏ ويقول‏: إنه قتل ظلمًا كما قتل بعض الأنبياء، ويقول‏: الحلاج من أولياء الله‏.‏ فماذا يجب عليه بهذا الكلام، وهل قتل بسيف الشريعة‏؟‏
فأجاب‏:
الحمد للّه، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله‏: أنا الله، وقوله‏: إله في السماء وإله في الأرض‏.‏
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و‏{
‏إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏‏[‏مريم‏: ‏93‏]‏، وقال تعالى‏: ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏النساء‏: ‏171‏]‏ الآيات، وقال تعالى‏: ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏}‏ الآيتين ‏[‏المائدة‏: ‏72‏]‏‏.‏ فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله، واتفق المسلمون على كفرهم بالله

ابن تيمية : رسالة إلى نصر المنبجي

ص -452-     وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه‏: ( رسالة إلى نصر المنبجي)
بسم اللّه الرحمن الرحيم
من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة، السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته، حتى يظهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين، ومن تشبه بهم من المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته‏.‏
أما بعد، فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون عُلُوًا في الأرض ولا فسادا منزلة علىة، ومودة إلهية؛ لما منحه

ابن تيمية : الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم


ص -362-   وسئل ‏:
ما تقول السادة العلماء، أئمة الدين، و هداة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين في الكلام الذي تضمنه كتاب ‏[‏فصوص الحكم‏]‏ وما شاكله من الكلام الظاهر في اعتقاد قائله‏: أن الرب والعبد شيء واحد، ليس بينهما فرق، وأن ما ثمَّ غير، كمن قال في شعره‏:
أنا وهو واحد ما معنا شيء
ومثل ‏:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا
ومثل ‏:
إذا كنت ليلى وليلى أنا
وكقول من قال‏:
لو عرف الناس الحق ما
رأوا عابدًا ولا معبودًا‏.‏
وحقيقة هذه الأقوال لم تكن في كتاب الله عز وجل، ولا في السنة، ولا في كلام الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين‏.‏
ويدعي القائل لذلك‏: أنه يحب الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول‏:
‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏: ‏31‏]‏، والله سبحانه وتعالى ذكر خير

ابن تيمية : الحجج النقلية والعقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية

ص -286- 
ص -287-   ثم بعد مدة غير البيت بقوله‏:
    لقد حق لي عشق الوجود وأهله
فسألته عن ذلك فقال‏: مقام البداية أن يرى الأكوان حجبًا فيرفضها، ثم يراها مظاهر ومجالى فيحق له العشق لها، كما قال بعضهم‏:
 أقبل أرضًا سار فيها جِمالها   فكيف بدار دار فيها جَمالها
قال‏: وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبي نواس‏:
 رق الزجاج وراقت الخمر    وتشاكلا فتشابه الأمر
 فكأنما خمر ولا قدح   وكأنما قدح ولا خمر
لبس صورة العالم، فظاهره خلقه، وباطنه حقه‏.‏
وقال بعض السلف‏: عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى، الله فقط والكثرة وهم‏.‏
قال الشيخ قطب الدين ابن سبعين‏: رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك‏.‏ الله فقط والكثرة وهم‏.‏
وقال الشيخ محيى الدين ابن عربي‏:
 يا صورة أُنس سرها معنائي     ما خلقك للأمر ترى لولائي
 شئناك فأنشأناك خلقا بشرا     لتشهدنا في أكمل الأشياء

ابن تيمية : حقيقة مذهب الاتحاديين ووحدة الوجود


ص -134-   وقال شيخ الإسلام‏: ‏أحمد بن تيمية قدس الله روحه‏:  بيان مذهب هؤلاء الاتحادية وبيان بطلانه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله الأحد الحق المبين‏.‏ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، وعلى سائر إخوانه المرسلين‏.‏
أما بعد‏:
فقد وصل كتابك، تلتمس فيه بيان مذهب هؤلاء الاتحادية وبيان بطلانه، وإنك كنت قد سمعت مني بعض البيان لفساد قولهم، وضاق الوقت بك عن استتمام بقية البيان، وأعجلك السفر، حتى رأيت عندكم بعض من ينصر قولهم، ممن ينتسب إلى الطريقة والحقيقة، وصادف مني كتابك موقعًا، ووجدت محلا قابلا‏.‏
وقد كتبت بما أرجو أن ينفع الله به المؤمنين، ويدفع به بأس هؤلاء

ابن تيمية : كتاب فصوص الحكم


ص -121-   ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين‏: (كتاب فصوص الحكم)
في كتاب بين أظهر الناس، زعم مصنفه أنه وضعه وأخرجه للناس بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، في منام زعم أنه رآه، وأكثر كتابه ضد لما أنزله الله، من كتبه المنزلة، وعكس وضد عن أقوال أنبيائه المرسلة، فمما قال فيه‏: إن آدم عليه السلام إنما سمي إنسانًا؛ لأنه للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين، الذي يكون به النظر‏.‏
وقال في موضع آخر‏: إن الحق المنزه هو الخلق المشبه‏.‏ وقال في قوم نوح عليه السلام‏: إنهم لو تركوا عبادتهم لوَدٍّ، وسُوَاع، ويَغُوث، ويَعوق، ونَسْر، لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء‏.‏ ثم قال‏: فإن للحق في كل معبود وجهًا، يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله‏.‏ فالعالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة‏.‏
ثم قال في قوم هود عليه السلام بأنهم حصلوا في عين القرب، فزال البعد، فزال مسمى جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب، من جهة الاستحقاق مما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ، من جهة المنة، فإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من أعمالهم، التي كانوا عليها، وكانوا على صراط الرب المستقيم‏.‏

ابن تيمية : سئل عن رجلين تشاجرا في معنى الرب حق والعبد حق


ص -111-   المسؤول من إحسان شيخ الإسلام مفتى الأنام تقي الدين أثابه الله الجنة:
 أن يفتينا في رجلين تشاجرا في هذين البيتين المذكورين، وهما قول القائل‏:
 الرب حق والعبد حق    ياليت شعري من المكلف
 إن قلت عبد فذاك ميت  أو قلت رب إني يكلف
 فقال أحد الرجلين‏: هذا القول كفر، فإن القائل جعل الرب والعبد حقًا واحدًا ليس بينهما فرق، وأبطل التكليف‏.‏ فقال له الرجل الثاني‏: ما فهمت المعني، ورميت القائل بما لم يعتقده ويقصده، فإن القائل قال‏: الرب حق، والعبد حق، أي الرب حق في ربوبيته، والعبد حق في عبوديته، فلا الرب عبدًا، ولا العبد ربًا كما زعمت‏.‏
ثم قال‏:
 ياليت شعري من المكلف     مع علمه أن التكليف حق
فحار لمن ينسبه في القيام به، فقال‏: إن قلت‏: عبد فذاك ميت، والميت‏: ليس له من نفسه حركة، بل من غيره يقلبه كما يشاء، وكذلك العبد وإن كان

ابن تيمية : سئل عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة من الفساد


ص -104-   سئل الشيخ عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد
، وتعلق كل منهم بسبب‏.‏ ومنهم من قال‏: إن يونس القتات يخلِّص أتباعه ومريديه من سوء الحساب، وأليم العقاب‏.‏
ومنهم من يزعم أن علىا الحريري كان قد أعطى من الحال ما إنه إذا خلا بالنساء والمردان، يصير فرجه فرج امرأة‏.‏
ومنهم من يدعي النبوة، ويدعي أنه لابد له من الظهور في وقت، فيعلو دينه وشريعته، وإن من شريعته السوداء تحريم النساء، وتحليل الفاحشة اللوطية، وتحريم شيء من الأطعمة وغيرها، كالتين، واللوز، والليمون‏.‏ وتبعه طائفة، منهم من كان يصلي فترك الصلاة، ويجتمع به نفر مخصوصون في كثير من الأيام ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ إلخ‏.‏
فأجاب ‏.‏
أما قول القائل‏: إن يونس القتات يخلص أتباعه ومريديه من سوء الحساب، وأليم العذاب يوم القيامة‏.‏

ابن تيمية : فصل ثم إن المنحرفين المتشابهين للصائبة


وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه‏:
فصل ثم إن المنحرفين المشابهين للصابئة‏
: إما مجردة، وإما منحرفة إلى يهودية أو نصرانية، من أهل المنطق والقياس، الطالبين للعلم والكلام، ومن أهل العمل والوجد، الطالبين للمعرفة، والحال، أهل الحروف، وأهل الأصوات سلكوا في أصل العلم الإلهي طريقين‏: كل منهم سلك طريقا‏.‏ وقد يسلك بعضهم هذا في وقت، وهذا في وقت، وربما جمع بعضهم بين الطريقين‏.‏
وأكثرهم لا يعلمون أن الله إليه طريق إلا أحد هذين، كما يذكره جماعات‏: ‏مثل ابن الخطيب، ومن نحا نحوه، بل مثل أبي حامد، لما حصر الطرق في الكلام، والفلسفة، الذي هو النظر، والقياس، أو في التصوف والعبادة، الذي هو العمل والوجد، ولم يذكر غير هؤلاء الأصناف الثلاثة‏.‏ بل أبو حامد لما ذكر في المنقذ من الضلال، والمفصح بالأحوال، أحواله في طرق العلم، وأحوال العالم، وذكر أن أول ما عرض له ما يعترض طريقهم- وهو السفسطة بشبهها المعروفة- وذكر أنه أعضل به هذا الداء قريباً من شهرين، هو فيهما على مذهب السفسطة، بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، حتى شفى

ابن تيمية : قاعدة أصل الإثبات والنفي والحب والبغض هو شعور النفس

ص -39-   وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله‏: فصل‏: أصل الإثبات والنفي، والحب والبغض‏
قاعدة قد كتبت ما يتعلق بها في الكراس الذي قبل هذا‏.‏  : هو شعور النفس بالوجود والعدم والملاءمة والمنافرة‏.‏ فإذا شعرت بثبوت ذات شيء، أو صفاته، اعتقدت ثبوته، وصدقت بذلك‏.‏ ثم إن كانت صفات كمال اعتقدت إجلاله وإكرامه صدَّقت ومدحته، وأثنت عليه‏.‏
وإذا شعرت بانتفائه، أو انتفاء صفات الكمال عنه، اعتقدت انتفاء ذلك‏.‏
وإن لم تشعر لا بثبوت، ولا انتفاء، لم تعتقد واحدًا منهما، ولم تصدق ولم تكذب، وربما اعتقدت الانتفاء إذا لم تشعر بالثبوت، وإن لم تشعر أيضا بالعدم‏.‏
وبين الشعور بالعدم، وعدم الشعور بالوجود فرقان بين، وهي منزلة الجهل الذي يؤتي منها أكثر الناس الذين يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه، والذي من جهل شيئا عاداه‏.‏

ابن تيمية : فصل قد تكلم طائفة من المتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة في قيام الممكنات بالواجب القديم


ص -25-   وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس اللّه روحه‏: فصل قد تكلم طائفة من المتكلمة، والمتفلسفة، والمتصوفة في قيام الممكنات والمحدثات، بالواجب القديم،
وهذا المعنى حق، فإن اللّه رب كل شيء، ومليكه، لكن يستشهدون على ذلك بقوله‏: ‏‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ ‏[‏القصص‏: ‏88‏]‏ ويقولون‏: إن معنى الآية‏: أن كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك، أو هو عدم محض، ونفى صرف، وإنما له الوجود من جهة ربه، فهو هالك باعتبار ذاته، موجود بوجه ربه، أي من جهته هو موجود‏.‏
ثم منهم من قد يخرج منها إلى مذهب الجهمية‏: الاتحادية، والحلولية، فيقول‏: إن ذلك الوجه هو وجود الكائنات، ووجه اللّه هو وجوده، فيكون وجوده وجود الكائنات، لا يميز بين الوجود الواجب، والوجود الممكن - كما هو قول ابن عربي، وابن سَبْعِين ونحوهما - وهو لازم لمن جعل وجوده وجودًا مطلقًا، لا يتميز بحقيقة تخصه سواء جعله وجودًا مطلقا بشرط الإطلاق - كما يزعم ابن سينا ونحوه من المتفلسفة - أو جعله وجودًا مطلقا لا بشرط- كما يقوله الاتحادية‏.‏

ابن تيمية : فصل في تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل ببيان أصل العلم والإيمان


ص -15-   وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس اللّه روحه‏:
فصل في تمهيد الأوائل، وتقرير الدلائل
وذلك ببيان وتحرير أصل العلم والإيمان، كما قد كتبته أولا في بيان أصل العلم الإلهي‏.‏ والذي أكتبه هنا‏: بيان الفرق بين المنهاج النبوي، الإيماني، العلمي، الصلاحي، والمنهاج الصابئ الفلسفي، وما تشعب عنه من المنهاج الكلامي والعبادي، المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم‏.‏
وذلك أن الأنبياء - عليهم السلام - دعوا الناس إلى عبادة اللّه أولا بالقلب واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته، وذكره‏.‏
فأصل علمهم وعملهم هو العلم باللّه،والعمل للّه، وذلك فطري كما قد قررته في غير هذا الموضع، في موضعين أو ثلاثة، وبينت أن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا‏: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي،كقولنا‏: إن الجسم

ابن تيمية : قاعدة أولية أصل العلم الإلهي ومبدؤه ودليله


ص -1-  مجموع فتاوى ابن تيمية الجزء الثاني
توحيد الربوبية
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
وقال شيخ الإسلام أَحْمَدُ بن تَيْمية قدسَ اللَّه روحه‏:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم تسليما‏.‏
قاعدة أولية ‏:
أن أصل العلم الإلهي ،ومبدأه، ودليله الأول ،عند الذين آمنوا :هو الايمان بالله ورسوله ،وعند رسول صلى الله عليه وسلم :هو وحى الله ألية ،كما قال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ