ابن تيمية : سئل ما تقول في الحلاج

ص -480-   سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه‏: ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج‏؟‏
وفيمن قال‏: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج‏: ماذا يجب عليه‏؟‏ ويقول‏: إنه قتل ظلمًا كما قتل بعض الأنبياء، ويقول‏: الحلاج من أولياء الله‏.‏ فماذا يجب عليه بهذا الكلام، وهل قتل بسيف الشريعة‏؟‏
فأجاب‏:
الحمد للّه، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله‏: أنا الله، وقوله‏: إله في السماء وإله في الأرض‏.‏
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و‏{
‏إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏‏[‏مريم‏: ‏93‏]‏، وقال تعالى‏: ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏النساء‏: ‏171‏]‏ الآيات، وقال تعالى‏: ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏}‏ الآيتين ‏[‏المائدة‏: ‏72‏]‏‏.‏ فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله، واتفق المسلمون على كفرهم بالله

ابن تيمية : رسالة إلى نصر المنبجي

ص -452-     وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه‏: ( رسالة إلى نصر المنبجي)
بسم اللّه الرحمن الرحيم
من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة، السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته، حتى يظهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين، ومن تشبه بهم من المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته‏.‏
أما بعد، فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون عُلُوًا في الأرض ولا فسادا منزلة علىة، ومودة إلهية؛ لما منحه

ابن تيمية : الحجج النقلية والعقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية

ص -286- 
ص -287-   ثم بعد مدة غير البيت بقوله‏:
    لقد حق لي عشق الوجود وأهله
فسألته عن ذلك فقال‏: مقام البداية أن يرى الأكوان حجبًا فيرفضها، ثم يراها مظاهر ومجالى فيحق له العشق لها، كما قال بعضهم‏:
 أقبل أرضًا سار فيها جِمالها   فكيف بدار دار فيها جَمالها
قال‏: وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبي نواس‏:
 رق الزجاج وراقت الخمر    وتشاكلا فتشابه الأمر
 فكأنما خمر ولا قدح   وكأنما قدح ولا خمر
لبس صورة العالم، فظاهره خلقه، وباطنه حقه‏.‏
وقال بعض السلف‏: عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى، الله فقط والكثرة وهم‏.‏
قال الشيخ قطب الدين ابن سبعين‏: رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك‏.‏ الله فقط والكثرة وهم‏.‏
وقال الشيخ محيى الدين ابن عربي‏:
 يا صورة أُنس سرها معنائي     ما خلقك للأمر ترى لولائي
 شئناك فأنشأناك خلقا بشرا     لتشهدنا في أكمل الأشياء

ابن تيمية : كتاب فصوص الحكم


ص -121-   ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين‏: (كتاب فصوص الحكم)
في كتاب بين أظهر الناس، زعم مصنفه أنه وضعه وأخرجه للناس بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، في منام زعم أنه رآه، وأكثر كتابه ضد لما أنزله الله، من كتبه المنزلة، وعكس وضد عن أقوال أنبيائه المرسلة، فمما قال فيه‏: إن آدم عليه السلام إنما سمي إنسانًا؛ لأنه للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين، الذي يكون به النظر‏.‏
وقال في موضع آخر‏: إن الحق المنزه هو الخلق المشبه‏.‏ وقال في قوم نوح عليه السلام‏: إنهم لو تركوا عبادتهم لوَدٍّ، وسُوَاع، ويَغُوث، ويَعوق، ونَسْر، لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء‏.‏ ثم قال‏: فإن للحق في كل معبود وجهًا، يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله‏.‏ فالعالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة‏.‏
ثم قال في قوم هود عليه السلام بأنهم حصلوا في عين القرب، فزال البعد، فزال مسمى جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب، من جهة الاستحقاق مما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ، من جهة المنة، فإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من أعمالهم، التي كانوا عليها، وكانوا على صراط الرب المستقيم‏.‏

ابن تيمية : فصل ثم إن المنحرفين المتشابهين للصائبة


وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه‏:
فصل ثم إن المنحرفين المشابهين للصابئة‏
: إما مجردة، وإما منحرفة إلى يهودية أو نصرانية، من أهل المنطق والقياس، الطالبين للعلم والكلام، ومن أهل العمل والوجد، الطالبين للمعرفة، والحال، أهل الحروف، وأهل الأصوات سلكوا في أصل العلم الإلهي طريقين‏: كل منهم سلك طريقا‏.‏ وقد يسلك بعضهم هذا في وقت، وهذا في وقت، وربما جمع بعضهم بين الطريقين‏.‏
وأكثرهم لا يعلمون أن الله إليه طريق إلا أحد هذين، كما يذكره جماعات‏: ‏مثل ابن الخطيب، ومن نحا نحوه، بل مثل أبي حامد، لما حصر الطرق في الكلام، والفلسفة، الذي هو النظر، والقياس، أو في التصوف والعبادة، الذي هو العمل والوجد، ولم يذكر غير هؤلاء الأصناف الثلاثة‏.‏ بل أبو حامد لما ذكر في المنقذ من الضلال، والمفصح بالأحوال، أحواله في طرق العلم، وأحوال العالم، وذكر أن أول ما عرض له ما يعترض طريقهم- وهو السفسطة بشبهها المعروفة- وذكر أنه أعضل به هذا الداء قريباً من شهرين، هو فيهما على مذهب السفسطة، بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، حتى شفى

ابن تيمية : قاعدة أصل الإثبات والنفي والحب والبغض هو شعور النفس

ص -39-   وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله‏: فصل‏: أصل الإثبات والنفي، والحب والبغض‏
قاعدة قد كتبت ما يتعلق بها في الكراس الذي قبل هذا‏.‏  : هو شعور النفس بالوجود والعدم والملاءمة والمنافرة‏.‏ فإذا شعرت بثبوت ذات شيء، أو صفاته، اعتقدت ثبوته، وصدقت بذلك‏.‏ ثم إن كانت صفات كمال اعتقدت إجلاله وإكرامه صدَّقت ومدحته، وأثنت عليه‏.‏
وإذا شعرت بانتفائه، أو انتفاء صفات الكمال عنه، اعتقدت انتفاء ذلك‏.‏
وإن لم تشعر لا بثبوت، ولا انتفاء، لم تعتقد واحدًا منهما، ولم تصدق ولم تكذب، وربما اعتقدت الانتفاء إذا لم تشعر بالثبوت، وإن لم تشعر أيضا بالعدم‏.‏
وبين الشعور بالعدم، وعدم الشعور بالوجود فرقان بين، وهي منزلة الجهل الذي يؤتي منها أكثر الناس الذين يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه، والذي من جهل شيئا عاداه‏.‏

ابن تيمية : فصل قد تكلم طائفة من المتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة في قيام الممكنات بالواجب القديم


ص -25-   وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس اللّه روحه‏: فصل قد تكلم طائفة من المتكلمة، والمتفلسفة، والمتصوفة في قيام الممكنات والمحدثات، بالواجب القديم،
وهذا المعنى حق، فإن اللّه رب كل شيء، ومليكه، لكن يستشهدون على ذلك بقوله‏: ‏‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ ‏[‏القصص‏: ‏88‏]‏ ويقولون‏: إن معنى الآية‏: أن كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك، أو هو عدم محض، ونفى صرف، وإنما له الوجود من جهة ربه، فهو هالك باعتبار ذاته، موجود بوجه ربه، أي من جهته هو موجود‏.‏
ثم منهم من قد يخرج منها إلى مذهب الجهمية‏: الاتحادية، والحلولية، فيقول‏: إن ذلك الوجه هو وجود الكائنات، ووجه اللّه هو وجوده، فيكون وجوده وجود الكائنات، لا يميز بين الوجود الواجب، والوجود الممكن - كما هو قول ابن عربي، وابن سَبْعِين ونحوهما - وهو لازم لمن جعل وجوده وجودًا مطلقًا، لا يتميز بحقيقة تخصه سواء جعله وجودًا مطلقا بشرط الإطلاق - كما يزعم ابن سينا ونحوه من المتفلسفة - أو جعله وجودًا مطلقا لا بشرط- كما يقوله الاتحادية‏.‏

ابن تيمية : فصل في تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل ببيان أصل العلم والإيمان


ص -15-   وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس اللّه روحه‏:
فصل في تمهيد الأوائل، وتقرير الدلائل
وذلك ببيان وتحرير أصل العلم والإيمان، كما قد كتبته أولا في بيان أصل العلم الإلهي‏.‏ والذي أكتبه هنا‏: بيان الفرق بين المنهاج النبوي، الإيماني، العلمي، الصلاحي، والمنهاج الصابئ الفلسفي، وما تشعب عنه من المنهاج الكلامي والعبادي، المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم‏.‏
وذلك أن الأنبياء - عليهم السلام - دعوا الناس إلى عبادة اللّه أولا بالقلب واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته، وذكره‏.‏
فأصل علمهم وعملهم هو العلم باللّه،والعمل للّه، وذلك فطري كما قد قررته في غير هذا الموضع، في موضعين أو ثلاثة، وبينت أن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا‏: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي،كقولنا‏: إن الجسم

ابن تيمية : قاعدة أولية أصل العلم الإلهي ومبدؤه ودليله


ص -1-  مجموع فتاوى ابن تيمية الجزء الثاني
توحيد الربوبية
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
وقال شيخ الإسلام أَحْمَدُ بن تَيْمية قدسَ اللَّه روحه‏:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم تسليما‏.‏
قاعدة أولية ‏:
أن أصل العلم الإلهي ،ومبدأه، ودليله الأول ،عند الذين آمنوا :هو الايمان بالله ورسوله ،وعند رسول صلى الله عليه وسلم :هو وحى الله ألية ،كما قال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن تيمية : كتاب التوسل والوسيلة

ص -142-   وقال شيخ الإسلام  قدس الله روحه‏:‏  كتاب التوسل والوسيلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏.‏ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، أرسله بين يدى الساعة بشيراً ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغى، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما‏.‏
ففرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه‏.‏ فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله‏.‏
وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه فى باطنه وظاهره‏.‏ والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله، وهو دين الله،

ابن تيمية : سئل عن رجلين قال أحدهما لا بد لنا من واسطة

ص -121-   سئل شيخ الإسلام ـ قدس اللّه روحه‏:‏
عن رجلين تناظرا، فقال أحدهما‏:‏ لابد لنا من واسطة بيننا وبين اللّه، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد للّه رب العالمين‏.‏ إن أراد بذلك أنه لابد من واسطة تبلغنا أمر اللّه ،فهذا حق‏.‏ فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه اللّه ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه اللّه تعالى من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، التى تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل، الذين أرسلهم اللّه إلى عباده‏.‏
فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زُلفى، ويرفع درجاتهم، ويكرمهم فى الدنيا والآخرة‏.‏ وأما المخالفون للرسل، فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون، قال تعالى‏:‏ ‏
{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 35، 36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}‏ ‏[‏طه‏:‏ 123‏:‏ 126‏]‏،

فصل في الشفاعة المنفية في القرآن


ص -116-   وقال شيخ الإسلام  رحمه اللّه ‏:‏
فصل فى الشفاعة المنفية فى القرآن
 كقوله تعالى‏:‏ ‏{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏123‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 100، 101‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 18‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏53‏]‏، وأمثال ذلك‏.‏
واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر؛ إذ منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب فى زيادة الثواب‏.‏

ابن تيمية : سئل عمن قال يجوز الاستغاثة بالنبي

ص -101-   سئل الشيخ  رحمه اللّه  عمن قال‏:‏ يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه‏:‏ على معنى أنه وسيلة من وسائل اللّه تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه‏.‏
وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو غيرهما مما هو في معناهما، وقول القائل‏:‏ أتوسل إليك يا إلهى برسولك ‏!‏ أو أستغيث برسولك عندك، أن تغفر لى، استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم‏.‏
قال‏:‏ ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص، قديما وحديثا، وأنه يصح إسنادها للمخلوقين، وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل، وأنها مطلقة على كل من سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به، وأن ذلك صحيح في أمر الأنبياء والصالحين‏.‏
قال‏:‏ وفيما رواه الطبرإني عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن بعض الصحابة  رضي اللّه عنهم  قال‏:‏ استغيثوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:
‏ ‏"‏إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث باللّه‏"‏‏.‏

ابن تيمية : الشرك بالله أعظم ذنب


ص -88-   الشرك بالله أعظم الذنوب
اعلم  رحمك الله  أن الشرك بالله أعظم ذنب عُصى الله به، قال الله تعالى‏:‏
‏{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن}‏ ‏[النساء‏:‏ 48، 116‏]‏ وفى الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل‏:‏أى الذنب أعظم ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أن تجعل لله ندا وهو خلقك‏"‏‏!‏‏!‏ والند المثل‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 22]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}‏ ‏[الزمر‏:‏ 8‏]‏ فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة‏.‏
فإن الله  سبحانه  هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود، الذى تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلها‏؟‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏
{وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏15]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}‏‏[‏مريم‏:‏ 93‏]‏، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 172‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 51‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 11]‏،

ابن تيمية : العبادات مبناها على الشرع والاتباع


ص -80-   فصل: العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع
فإن الإسلام مبنى على أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن نعبد الله وحده لا شريك له‏.‏
والثانى‏:‏ أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نعبده بالأهواء والبدع.
قال الله تعالى‏:‏ ‏
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}‏ الآية ‏[‏الجاثية‏:‏18، 19‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ}‏ ‏[‏الشورى‏:‏21‏]‏‏.‏
فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم، من واجب ومستحب، لا نعبده بالأمور المبتدعة، كما ثبت فى السنن من حديث الْعِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ‏.‏ قال الترمذى‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ وفى مسلم أنه كان يقول فى خطبته‏:‏ ‏
"‏خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة‏"‏‏.‏
وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده، فلا يصلى إلا لله، ولا يصوم إلا لله،

ابن تيمية : فصل قال الله اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة


ص -64-   فصل: في قوله اهدنا الصراط المستقيم
قال الله تعالى‏:‏‏{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}‏‏[الفاتحة‏:‏ 6، 7‏]  وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون‏"‏‏.‏
وكتاب الله يدل على ذلك فى مواضع، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏
{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏60‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 90‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 112‏]‏، وقال النصارى‏:‏ ‏{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 77‏]‏، وقال‏:‏ ‏{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، وقال تعالى‏:‏ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 30، 31‏]‏، وقال تعالى‏:‏

ابن تيمية : فصل والسعادة في معاملة الخلق


ص -51-   فصل: السعادة فى معاملة الخلق أن تعاملهم لله
والسعادة فى معاملة الخلق‏:‏ أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم فى الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم فى الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم، كما جاء فى الأثر‏:‏ ‏"‏ارج الله فى الناس ولا ترج الناس فى الله، وخف الله فى الناس ولا تخف الناس فى الله‏"‏ أى‏: لا تفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا من ذمهم، بل ارج الله ولا تخفهم فى الله فيما تأتى وما تذر، بل افعل ما أمرت به وإن كرهوه‏.‏ وفى الحديث‏:‏ ‏"‏إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله، أو تَذُمَّهُمْ على ما لم يؤتك الله‏"‏ فإن اليقين يتضمن اليقين فى القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا، لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما فى أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله؛ لما يرجوه منهم‏.‏ وإما ضعيف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب فى الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك، ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم؛ وذلك من ضعف اليقين‏.‏
وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر فى ذلك إلى الله لا لهم،

ابن تيمية : فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة


ص -37-   فصل: فى وجوب اختصاص الخالق بالعبادة
فى وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه، فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو  سبحانه  الذى ابتدأك بخلقك والإنعام عليك، بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره‏.‏ ثم إذا احتجت إليه فى جلب رزق أو دفع ضرر، فهو الذى يأتى بالرزق لا يأتى به غيره، وهو الذى يدفع الضرر لا يدفعه غيره، كما قال تعالى‏:‏ ‏{أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 20-21‏]‏
وهو  سبحانه  ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه؛ إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغنى عن العالمين ‏{
وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 40‏]‏ ‏{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏
وفى الحديث الصحيح الإلهى‏:‏ ‏"‏يا عبادى لو أن أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُم

ابن تيمية : مجموع فتاوى ابن تيمية - الجزء الأول مقدمة الكتاب


ص -1-  مقدمة الكتاب
قال شيخ الإسلام أحْمَدُ بن تَيْمية ـ قَدسَ اللَّه روحه‏:‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون‏.‏ العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون ،الذي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له‏:‏ كن فيكون، الذى يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحانه وتعالى عما يشركون، وهو الله لا إله إلا هو، له الحمد فى الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، الذي دل على وحدانيته في إلهيته أجناس الآيات، وأبان علمه لخليقته ما فيها من إحكام المخلوقات، وأظهر قدرته على بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات، وأرشد إلى فعله بسنته تنوّع الأحوال المختلفات، وأهدى برحمته لعباده نعمه التي لا يحصيها إلا رب السموات، وأعلم بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات، لا يحصي العباد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه لما له من الأسماء والصفات، وهو المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يمثاله فيها شىء من الموجودات، وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شىء في نعوت الكمال، أو يلحقه شىء من الآفات، فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، الذي خلق

ابن تيمية : قاعدة في توحيد الإلهية وإخلاص العمل والوجه لله


ص -20-   قاعدة جليلة في توحيد الله
بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما‏.‏
وبعد‏:‏ فهذه قاعدة جليلة في توحيد الله، وإخلاص الوجه والعمل له، عبادة واستعانة، قال الله تعالى‏:‏
‏{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏26‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 53‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏17‏]‏، وقال تعالى فى الآية الأخرى‏:‏ ‏{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهٌِ}‏ ‏[‏يونس‏:‏107‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}‏ ‏[‏هود‏:‏ 123‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}‏ ‏[‏هود‏:‏88‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}‏ ‏[‏التغابن ‏:‏1‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}‏ ‏[‏محمد‏:‏19‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{ٍقُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ}‏ الآية ‏[‏الزمر‏:‏38‏]‏، وقال تعالى‏:‏