ابن تيمية : شرح حديث النزول

ص -321-   سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ـ قدس اللّه روحه‏:‏
ما يقول سيدنا وشيخنا ـ شيخ الإسلام وقدوة الأنام ـ أيده اللّه ورضي عنه ـ في رجلين تنازعا في ‏[‏حديث النزول‏]‏‏:‏ أحدهما مثبت، والآخر ناف‏.‏
فقال المثبت‏:‏ ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فقال النافي‏:‏ كيف ينزل‏؟‏ فقال المثبت‏:‏ ينزل بلا كيف، فقال النافي‏:‏ يخلو منه العرش أم لا يخلو‏؟‏ فقال المثبت‏:‏ هذا قول مبتدع ورأى مخترع، فقال النافي‏:‏ ليس هذا جوابي، بل هوحَيْدة ‏[‏الحَيْدة‏:‏ البعد والتنحي‏]‏‏.‏عن الجواب، فقال له المثبت‏:‏ هذا جوابك، فقال النافي‏:‏ إنما ينزل أمره ورحمته، فقال المثبت‏:‏ أمره ورحمته ينزلان كل ساعة، والنزول قد وقت له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثلث الليل الآخر، فقال النافي‏:‏ الليل لا يستوى وقته في البلاد، فقد يكون الليل في بعض البلاد

ابن تيمية : سئل عن أبيات في مباينة الله للعالم

ص -267-   سئل شيخ الإسلام ـ رحمه اللّه ـ عن هذه الأبيات‏:‏
 يا سادة العلماء‏:‏ أفتونا بما     يشفي الغليل فماء صبري آسن
 عن قول ناظم عِقْد أصل عقيدة     في حق حق الحق ليس يداهن
 يا منكرًا أن الإله مباين    للخلق يا مفتون بل يا فاتــن
 هب قد ضللت فأين أنت ‏؟‏ فإن تكن    أنت المباين فهو أيضًا بائن
 أو قلت‏:‏ لست مباينًا‏.‏ قلنا‏:‏ إذن      فبالإتحاد أو الحلول تشاحن
 أو قلت‏:‏ يلزم منه شيء داخلا   قلنا‏:‏ نعم ما الرب فينا ساكن
 إن قلت‏:‏ يلــزم أنه في حيز    أو صار في جهة فعقـلك واهن
 فلقد كذبت فإنه لا حيز      إلا مكان وهو منه بائن
 وكذا الجهات فإنها عدمية   فـي حقه والحق في ذا بائن

ابن تيمية : سئل عمن يعتقد الجهة هل هو مبتدع أو كافر

ص -262-   سئل شيخ الإسلام عمن يعتقد ‏[‏الجهة‏]‏‏:‏ هل هو مبتدع أو كافر أو لا‏؟‏
فأجاب‏:‏
أما من اعتقد الجهة؛ فإن كان يعتقد أن اللّه في داخل المخلوقات تحويه المصنوعات، وتحصره السماوات، ويكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال‏.‏
وكذلك إن كان يعتقد أن اللّه يفتقر إلى شيء يحمله ـ إلى العرش، أو غيره ـ فهو أيضًا مبتدع ضال‏.‏ وكذلك إن جعل صفات اللّه مثل صفات المخلوقين، فيقول‏:‏ استواء اللّه كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال؛ فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن اللّه لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلت على أن اللّه غني عن كل شيء، ودلت على أن اللّه مباين للمخلوقات عالٍ عليها‏.‏
وإن كان يعتقد أن الخالق ـ تعالى ـ بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن اللّه غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من

ابن تيمية : سئل عن رجلين قال أحدهما من لا يعتقد أن الله في السماء فهو ضال وقال الآخر

ص -256-   سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ـ رحمه اللّه ـ عن رجلين اختلفا في الاعتقاد‏.‏ فقال أحدهما‏:‏ من لا يعتقد أن اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ في السماء فهو ضال‏.‏ وقال الآخر‏:‏ إن اللّه ـ سبحانه ـ لا ينحصر في مكان، وهما شافعيان، فبينوا لنا ما نتبع من عقيدة الشافعي ـ رضي اللّه عنه ـ وما الصواب في ذلك‏؟‏
الجواب‏:‏
الحمد للّه، اعتقاد الشافعي ـ رضي اللّّه عنه ـ واعتقاد سلف الإسلام؛ كمالك، والثوري، والأوزاعى، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفُضَيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد اللّه التُّسْتُري، وغيرهم‏.‏ فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين‏.‏
وكذلك أبو حنيفة ـ رحمة اللّه عليه ـ فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك، موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة‏.‏

ابن تيمية : فصل في الجمع بين علو الرب وقربه

ص -226-    قال شيخ الإسلام‏:‏
فصــل

في الجمع بين ‏[‏علو الرب ـ عز وجل ـ وبين قربه‏]‏ من داعيه وعابديه
فنقول‏:‏
قد وصف اللّه نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش، والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض كبار أصحاب الشافعي‏:‏ في القرآن ألف دليل أو أزيد، تدل على أن اللّه عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده‏.‏
وقال غيره‏:‏ فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك، مثل قوله‏:‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏206‏]‏، ‏{‏وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏19‏]‏، فلو كان المراد بأن معنى ‏[‏عنده‏]‏ في قدرته ـ كما يقول الجهمية ـ لكان الخلق كلهم في قدرته ومشيئته، لم يكن فرق بين من في السموات، ومن في الأرض، ومن عنده، كما أن الاستواء لو كان المراد به الاستيلاء لكان مستويًا على جميع المخلوقات، ولكان مستويًا على العرش قبل أن يخلقه دائمًا‏.‏
والاستواء مختص بالعرش بعد خلق السموات والأرض، كما أخبر بذلك في

ابن تيمية : سئل عن قوله: {الرحمن على العرش استوى} وقوله ينزل ربنا هل الاستواء والنزول حقيقة


ص -194-   سئل شيخ الإسلام ـ ركن الشريعة أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ـ قدس اللّه روحه ونور ضريحه ـ عن قول اللّه عز وجل‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}‏ ‏[‏ طه‏:‏ 5‏]‏، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا‏)‏‏:‏ هل الاستواء والنزول حقيقة أم لا‏؟‏ وما معنى كونه حقيقة‏؟‏ وهل الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له كما يقوله الأصوليون أم لا‏؟‏ وما يلزم من كون آيات الصفات حقيقة‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد اللّه رب العالمين، القول في الاستواء والنزول كالقول في سائر الصفات، التي وصف اللّه بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن اللّه ـ تعالى ـ سمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات‏.‏ سمى نفسه حيّا، عليمًا، حكيمًا، قديرًا، سميعًا، بصيرًا، غفورًا، رحيمًا، إلى سائر أسمائه الحسنى‏.‏
قال اللّه تعالى‏:‏
‏{‏وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى}‏ ‏[‏طه‏:‏ 7‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏255‏]‏،

ابن تيمية : المراكشية


ص -153-   سئل شيخ الإسلام فريد الزمان بحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ـ رَحمَهُ اللّه ـ عن رجلين تباحثا في ‏[‏مسألة الإثبات للصفات، والجزم بإثبات العلو على العرش‏]‏‏.‏
فقال أحدهما‏:‏ لا يجب على أحد معرفة هذا، ولا البحث عنه، بل يكره له، كما قال الإمام مالك للسائل‏:‏ وما أراك إلا رجل سوء‏.‏ وإنما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن اللَّهَ تعالى واحد في ملكه، وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه، بل ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي‏.‏
فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ‏؟‏ فإذا كان مخطئًا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش ـ الذي هو أعلى المخلوقات ـ ويعرفوه‏؟‏ وما معنى التجسيم والحشو‏؟‏
أفتونا وابسطوا القول بسطًا شافيًا يزيل الشبهات في هذا مثابين مأجورين إن شاء اللَّه تعالى‏.‏

ابن تيمية : علو الله على سائر مخلوقاته


ص -136-   وسئل شيخ الإسلام ـ رحمه اللّه أيضًا ـ عن علو اللّه على سائر مخلوقاته‏.‏
فأجاب‏:‏
أما علو اللّه ـ تعالى ـ على سائر مخلوقاته، وأنه كامل الأسماء الحسنى والصفات العلى، فالذي يدل عليه منها الكتاب‏:‏ قوله تعالى‏:‏
‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}‏ ‏[‏فاطر‏:‏10‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏55‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}‏ ‏[‏الملك‏:‏16، 17‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ}‏ ‏[‏النساء‏:‏158‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 4‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 5‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 50‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏
‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}‏ في ستة مواضع؛ وقوله‏:‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}‏ ‏[‏طه‏:‏5‏]‏، وقوله إخبارًا عن فرعون‏:‏ ‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى}‏ ‏[‏غافر‏:‏36 ،37‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}‏ ‏[‏فصلت‏:‏42‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏114‏]‏، وأمثال ذلك‏.‏

ابن تيمية : علو الله تعالى واستوائه على عرشه


ص -121-   سئل شيخ الإسلام ـ قدس اللّه روحه ـ عن علو اللّه ـ تعالى ـ واستوائه على عرشه
فأجاب‏:‏
قد وصف اللّه ـ تعالى ـ نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش، والفوقية، في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض أكابرأصحاب الشافعي‏:‏ في القرآن ألف دليل أو أزيد، تدل على أن اللّه ـ تعالى ـ عال على الخلق، وأنه فوق عباده‏.‏
وقال غيره‏:‏ فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك؛ مثل قوله‏:‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏206‏]‏،‏{‏وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 91‏]‏؛ فلو كان المراد بأن معنى عنده في قدرته ـ كما يقول الجهمي ـ لكان الخلق كلهم عنده؛ فإنهم كلهم في قدرته ومشيئته، ولم يكن فرق بين من في السموات ومن في الأرض ومن عنده‏.‏
كما أن الاستواء على العرش لو كان المراد به الاستيلاء عليه، لكان مستويا على جميع المخلوقات، ولكان مستويا على العرش قبل أن يخلقه دائمًا، والاستواء

ابن تيمية : الفتوى الحموية الكبرى


ص -5-     (العقيدة)
    شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
 
  الأسماء والصفات
   سئل شيخ الإسلام‏:‏
   العالم الرباني تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله تعالى‏.‏ ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى‏:‏
‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}‏ ‏[‏طـه‏:‏5‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}‏ ‏[‏لأعراف‏:‏54‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}‏ ‏[‏فصلت‏:‏11‏]‏ إلى غير ذلك من آيات الصفات و أحاديث الصفات كقوله‏:‏ صلى الله عليه وسلم ‏(‏إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏يضع الجبار قدمه في النار‏)‏ إلى غير ذلك وما قالت العلماء فيه وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى‏.‏